عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

482

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى الآية ] ومعنى الآية : أنّ القبضة من الحصباء الّتي رميتها ، فأنت ما رميتها في الحقيقة ؛ لأنّ رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر ، ولكن اللّه رماها حيث أنفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم ، فصورة الرمية صدرت من الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - وأثرها إنّما صدر من اللّه تعالى ، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات . واحتج أهل السّنّة بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ؛ لأنّ اللّه تعالى قال : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] . ومن المعلوم أنهم جرحوا ، فدلّ هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من اللّه تعالى . وقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ أثبت كونه عليه الصّلاة والسّلام راميا ونفى عنه كونه راميا ، فوجب حمله على أنه رماه كسبا وأنه ما رماه خلقا . فإن قيل : أما قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ فيه وجوه : أحدها : أنّ قتل الكفّار إنما تيسّر بمعونة اللّه ونصره وتأييده ، فصحت هذه الإضافة . وثانيها : أن الجرح كان إليهم وإخراج الروح كان إلى اللّه ، والتقدير : فلم تميتوهم ولكن اللّه أماتهم . وأما قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . قال القاضي : قيل : فيه أشياء : منها أنّ الرمية الواحدة لا توجب وصول التّراب إلى عيونهم ، فكان وصول أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلّا بإيصال اللّه تعالى ، ومنها : أنّ التراب الذي رماه كان قليلا فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل ، فدل على أنّ اللّه تعالى ضمّ إليها سائر أجزاء التّراب ، فأوصلها إلى عيونهم . ومنها : أنّ عند رميه ألقى اللّه الرّعب في قلوبهم ، فكان المراد من قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هو أنه تعالى رمى قلوبهم بالرّعب . فالجواب : أنّ كلّ ما ذكروه عدول عن الظّاهر ، والأصل في الكلام الحقيقة . قوله : وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق بمحذوف ، أي : وليبلي فعل ذلك ، أو يكون معطوفا على علة محذوفة ، أي : ولكن اللّه رمى ليمحق الكفار ، وليبلي المؤمنين ، والبلاء في الخير والشّر ، قال زهير : [ الوافر ] 2689 - . . . * وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو « 1 » والهاء في « منه » تعود على الظفر بالمشركين .

--> ( 1 ) تقدم .